محمد بن عبد الله الحسيني الموسوي ( كبريت )

19

رحلة الشتاء والصيف

غمرت تلك العيون وصاروا يقنعون بالحفائر ، فأشار ناظر الجيش لَمَّا حَجّ بحفر البئر فخرج ماؤها عذباً فُراتاً ، انتهى كلامه . قلت : وقد أجرى الله تعالى عوائد برّه وعاد الماء إلى مجاريه . مغاير شعيب ثم قمنا منه حتى أتينا على مغاير شعيب عليه السلام ، وهي حفائر حلوة تحكي النيل فيما قيل ، في وادٍ فيه نخل وأثلٍ ومقل ، بين جبال متضايقة كثيرة المخاوف ، وفيه بئر دارسة وأبنية متهدمة ورسوم يقال إنها مدين . قال صاحب تقويم البلدان : مدين على شاطئ بحر القلزم ، وهي خراب . وأما البئر التي استقى منها موسى عليه السلام فقد بني على أفنيتها بيت من صخر ، فيه كهف يسمى كهف شعيب عليه السلام ، وكانت تأوي إليها غنمه ، وحولها قبور منقورة في الصخر فيها عظام بالية كأمثال عظام الإبل . ولا أثر لذلك الآن غير تلك الساقية التي بيد بني عطيفة ، وحفر الماء العذب . وفيها يقول ابن أبي حجلة : ولما وردنا ماء مَدْيَنَ بُكرةً . . . وجدتُ عليه الناسَ يسقون بالقِرَبِ فأطرب حادي الراقصاتِ مسامعي . . . كما أطربَ التشبيبُ من أعينِ القصبِ ثم لم نزل نجوب الوهاد ، ونقطع هاتيك البواد ، حتى أشرفنا على شرفة بني عطيفة . وهي في وادٍ قفر كثير الحطب ممحل ، لا يكاد يمرّ به الطير ، اتفق أنه لم يكن في الركب إلا من اشتكى الظمأ ، إلا من كان في حظيرة إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه . ومما قيل فيه : وقد حللنا بواد لا أنيس به . . . بنو عطيفة قد سموه بالشَرِفَه فنالنا منه بعد العيّ أربعةٌ . . . بردٌ وخوفٌ ظما والريحُ مختلفه ذكرت بهذه المشقة قول ابن الحاجب : من ذا الذي تصفو له أوقاته . . . طراً ويبلغ كلّ ما يختار والمرء في سفر وأي مسافرٍ . . . لا يعتريه من الطريق غبار ثم لم نزل في أسر المسير ومشتاق الأسفار ، حتى مررنا بظهر الحمار ، وهو محجر صعب ، وحفائر الغنم وفيها المياه الكّدرة ، والنخل الكثير ، والدار الحمرا ، وما أدراك ما الحمرا ! ! ولقد أرى بين المسمّى واسمه . . . نسباً قد استغنى عن التبيينِ